أبو بكر بن حسين بن موسى
1308هـ – 1387هـ

يُعَدُّ الشيخ أبو بكر بن حسين موسى الشهير بالمُوزِّع أحد المُواطنين الأفارقة الذين عاصروا الحكم العثماني والهاشمي والسُّعودي، وينتمي نسبُه إلى قبيلة الهوسة، وهو من العصاميين الذين اعتمدوا في بناء أنفسهم على الكفاح والجد والاجتهاد والمُثابرة، ونالوا شرف بذل الجهد في تكوين المهارات والقدرات اللازمة لخدمة المجتمع بكل دقة وجودة وتفانٍ وإخلاص.
وقد وُلِدَ -رحمه الله- في المدينة المُنَوَّرة عام 1308هـ، ونشأ وتَربَّى وتعلَّم في أحضان أسرته في رباط عِزَّت باشا في حي باب المجيدي الكائن بالجهة الشَّماليَّة الشرقية من المسجد النَّبوي الشَّريف، والذي اشتمل كما تشير المصادر على أربعين حجرة سكنية بمنافعها، تم وقفها في عام ١٣٢٢هـ لتكون نُزلًا لكل من رغب من المجاورين بالمدينة، شريطة الحصول على موافقة شيخ المسجد النَّبوي في زمانه، وانتقل الشيخ المُوزِّع – رحمه الله – بعد ذلك للسكن في الحي نفسه (باب المجيدي) في منزل مجاور لوقف عِزَّت باشا بشارع الجنان قريبًا من مسجد شمس، ثم استقر أخيرًا في المنزل الذي بناه في حي باب التَّمار جوار الشيخ محمد النقاوي، والشيخ عبد الكريم الزهراني والمُعَلِّم إبراهيم النجار والعم محمد رابح وغيرهم.
وكان -رحمه الله- محبًّا للعلم والعلماء، ويحرص كثيرًا على الجلوس في حِلَق العلم في المسجد النَّبوي الشَّريف، ويتردد – رحمه الله – على حلقة الشيخ محمد الطيب الأنصاري، والشيخ عبد الرحمن بن يوسف الإفريقي، والشيخ عمر بن محمد فلاتة -رحمهم الله- وغيرهم، ويحرص على أداء الصلوات جماعةً في المسجد النَّبوي، ويأنس بالجلوس في حِلَق قراءة القرآن الكريم، الأمر الذي أدى إلى أن تتسع حصيلته من العلم الشرعي، وتزداد معرفته بالقرآن الكريم والسنة المطهرة وأحكام الحلال والحرام الواردة فيهما. كما أحسن -رحمه الله- الجوار في المدينة وفَرَضَ محبته على كل من عرفه من سكان المدينة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وكان الشيخ المُوزِّع قد تعلَّم اللغة التركية والتحدث بها بطلاقة وإتقان، واشتغل خلال مسيرته العملية في عدد من الأعمال والوظائف المهنيَّة بالمدينة، وذلك في العهدين العثماني والشَّريفي، كما عمل – رحمه الله – في العهد السُّعودي في إدارة البريد، وأصبح من أفضل وأوثق موزعي الرسائل والبرقيات في زمانه، ولُقِّب باسم (المُوزِّع) نسبة إلى هذه المهنة التي عُرف بها، وكانت تتطلب دراية بالدوائر العامة والخاصة بالمدينة، ومعرفة وثيقة بأهالي المدينة ومساكنهم وأحيائهم، وأدى ذلك إلى قيام بعض سكان المدينة بالاستفادة منه في توزيع بطاقات الدعوة الخاصة بهم في الأفراح والمناسبات المختلفة. كما قامت إدارة البريد بالتعاقد معه بعد إحالته إلى التقاعد وتصفية حقوقه.
وقد عُرف -رحمه الله- بالاستقامة والتقوى والصلاح وحُسن الخُلق والمعاملة، وهو من المشهود لهم بالإخلاص والصدق والأمانة في أداء العمل، واشتُهر بذلك لدى جميع مديريه وزملائه في إدارة البريد بالمدينة، وكان – رحمه الله – مثالًا في الحلم والصبر على عناء العمل في توزيع الرسائل وما يتطلبه العمل آنذاك من السير على الأقدام والتنقل بين أحياء المدينة وشوارعها وأزقتها.
ومما يؤكد جانب الصدق والأمانة لديه – رحمه الله – القصة التي ذكرها بعض زملائه ومفادها أن مدير البريد آنذاك قد غضب على أحد المُوظَّفين وشتمه وبالغ في سبِّه وتعنيفه؛ فاشتكى المُوظَّف المدير إلى المحكمة الشرعية بالمدينة، وطلب القاضي من المُوظَّف صاحب الدعوى إحضار الشهود على دعواه، وأحجم كل المُوظَّفين عن الإدلاء بشهادتهم فيما عدا الشيخ أبو بكر المُوزِّع الذي أدلى بما سمع بالنحو الذي لم يكن يتوقعه المدير. وهكذا أصبح الشيخ أبو بكر المعتمد لدى المدير فيما يحدث في البريد ويتطلب الإدلاء بالشهادة.
وكان – رحمه الله – قد أُصيب قبل وفاته بأشهر بوعكة صحية انتقل على إثرها إلى جوار مولاه في عام 1387هـ، بعد أن خَلَّفَ (12) من الأبناء الذكور و(8) إناث. وبناءً على توصيته، فقد صَلَّى عليه الشيخ عمر بن محمد فلاتة – رحمه الله – في المسجد النَّبوي، ودُفن في بقيع الغرقد، حيث أوصى – رحمه الله – بأن يُستعجل في تجهيزه ودفنه، وأن يُصلِّي عليه الشيخ عمر حال عدم إدراك الجماعة في المسجد النَّبوي الشَّريف، فرحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنَّاته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا، وبارك في ذريته وجعلهم من الصالحين، آمين([1]).