أحمد بن عثمان طُوال

1328هـ – 1407هـ

 

اسمه: العم أحمد بن عثمان بن أحمد طُوال، وينتمي نسبه إلى قبيلة الفلاتة.

وُلد -رحمه الله- عام 1328هـ بحي الشِبيكة في مكَّة المُكرَّمة، وبدأ حياته التَّعليمية بالدراسة في الكتاتيب؛ فحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة.

وقد بدأ -رحمه الله- حياته المهنيَّة مبكرًا؛ واشتغل أولًا (قمَّاشًا) يبيع الأقمشة بسوق الليل الشهير بمكَّة المُكرَّمة، ثم عمل بَنَّاءً في الحَجِرِ والطِّين لدى الشَّريف حسين بن علي الهاشمي حاكم الحجاز سابقًا بأجر يومي مقداره (7) هللات فقط، ثم انتقل مع الشَّريف حاكم مكَّة إلى وسط مدينة جدة، بموقع يُقال له القشلة؛ ليعمل ضمن أفراد الجيش العسكري، وهي قلعة عثمانية صغيرة بُنيت عام 931هـ، وكانت تتسع لأكثر من 2000 عسكري، فعمل في خدمة العسكر بتلك القلعة، وحيث لم يكن في القشلة أي نشاط آخر سوى اجتماع العسكر فيها، قام ببناء مقهى بالمنطقة التاريخية ـ القشلة ـ أمام دوار البيعة حاليًا (عمارة با خشب)، وهو أول مقهى بالمنطقة، وسُمي بمقهى الفحم.

وفي عام 1345هـ نقل المقهى إلى قرية ثُول، شمال جدة، حيث كانت ممرًا للحجاج في ذلك الوقت، وكان ينقل إليها البضائع والطين والحجر من مدينة جدة لبناء المنازل لأهلها، على ظهور الجمال التي كان يمتلكها ويفوق عددها على (12) جملًا. وقام من أجل ذلك ببناء مقهى بثول لاتزال أطلاله موجودة إلى يومنا الحالي. وكان قد بناه من سعف النخيل والطين، وكان يعمل بها مع أهالي المنطقة ببيع الأسماك واللحوم والدجاج، كما كان يقوم بشراء العسل والسمن البلدي من بادية المنطقة، وكانت تربطه بهم علاقة قوية، إلى أن تزوج منهم زوجته الأولى.

ثم أصيبت الحركة التجارية بثول بحالة من الركود، فقرر العم الطوال الانتقال إلى محافظة رابغ شمال ثول باتجاه المدينة المُنَوَّرة، فأنشأ بها مقهى، استمر العمل به مدة (7) سنوات، ثم انتقل إلى محافظة بدر التي تبعد عن المدينة المُنَوَّرة (150) كم، فأنشأ بها مقهى اشتهر ببيع السمك، ثم انتقل إلى قرية المسيجيد التي تبعد عن المدينة نحو (80) كلم، وقام بإنشاء مقهى، واشترى محطة بنزين بدائية تعمل بطلمبات يدوية؛ لتزويد سيارات شركات نقل الحُجَّاج بالوقود، كشركة عبد العزيز كعكي، والشركة العربيَّة للسيارات، وشركة التوحيد التابعة لأبناء حافظ، وشركة التوفيق، وشركة المغربي.

وكان -رحمه الله- محبًّا لمدينة المصطفى r، ونفسه تهفو للانتقال إليها، وكان يزورها سنويًّا ويقيم بها شهري رجب وشعبان من كل عام، يحظى بزيارة المسجد النَّبوي الشَّريف والصلاة فيه، كما كان يقوم بزيارة بعض الأهل والأقارب والأصدقاء ممَّن يقطنون المدينة المُنَوَّرة.

وقرر -رحمه الله- الانتقال إلى المدينة المُنَوَّرة، حيث قام باستئجار أول موقع لقهوته المدنيَّة بجوار بيت الخريجي، وقد اشتهرت باسم: مقهى الطوال، ثم أنشأ مقهى بحي المناخة أمام زقاق الطيار، ثم قام ببناء مقهى بعروة بجوار بئر سيدنا عروة بن الزبير t أمام قصر عروة الأثري على خط المسيل، ولما فاض سيل عروة عام 1372هـ، اجترف المقهى وأغرقه وجميع محتوياته، ثم أنشأ مقهى بديلًا بعروة، إلا أن موقعه لم يكن مناسبًا لقربه من مجرى السيل، وكثرة حشرة الناموس (السويكت)، مما أدى الى مضايقة الناس وكانوا لا يستطيعون الجلوس والاستمتاع بوقتهم، مما اضطره إلى الانتقال إلى ذي الحليفة (أبيار علي) أمام كلية المُعَلِّمين، وكان ذلك عام 1380هـ.

وكان لمقهى الطوال في المدينة بعروة شهرة كبيرة، إذ كان بمثابة ملتقى لأدباء المدينة من المثقفين والشعراء؛ فيجتمعون بالمقهى بعد كل عصر، ويتولى العم أحمد صنع العشاء المكون من السليق والأرز والسمك للراغبين منهم، ولا تحلو جلستهم ومناقشاتهم وأطروحاتهم الأدبية إلا بما يتحفهم به العم الطوال من القهوة والشاي بالنعناع والورد.

وكان من رُوَّاد المقهى آنذاك الأستاذ عبد العزيز الربيع مدير التَّعليم بالمدينة، والشيخ عبد الستار قاسم الميمني، والأساتذة صدقة خاشقجي أمين المدينة المُنَوَّرة في حينه، وعبد القادر الدقل، ومحمود الدقل، وعليان المغير السهلي، وغيرهم من الأعيان.

كما كان مقهى الطوال متنفسًا لكبار السن والشباب والعوائل في عطلة نهاية الأسبوع، حيث يكتظ بمرتاديه من بعد صلاة العصر وحتى أذان الفجر، خاصة أيام الصيف، بحثًا عن الجو اللطيف، والهواء العليل، كما كان المقهى مقرًّا لسائقي سيارات الأجرة التي تعمل داخل المدينة، ومن جميع أنحاء المملكة للاستراحة والنوم، حيث يقدم العم أحمد طوال جميع المأكولات الشعبية من اللحم والأرز والدجاج البلدي، التي يتولى طبخها بنفسه، كما اشتهر بإتقان الأرز العربي، والمعدوس ـ وهو خليط من الأرز والعدس ـ بسلطة الحُمَر والسمك، والمقلقل باللحم الطازج، حيث يقوم بتربية جميع أنواع الخرفان والتيوس الصغيرة لعمل المندي، وكذلك يقوم بتربية الدجاج البلدي والحمام ويقوم شخصيًّا بالإشراف على ذبحها على حسب رغبة الزبائن والعملاء، وأعدَادِهم ونوعية الحفل أو المناسبة.

وفي عام 1385هـ قام جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود بزيارة للمدينة المُنَوَّرة، فأُعدت مراسم استقبال جلالته بمقهى الطوال، بحضور أعيان وعُمَد وأهالي المدينة، فزُين المقهى بالورد والفُرش الحمراء، وقامت مصلحة العين الزرقاء (شركة المياه حاليًا) برش الأرض بصهاريج من المياه النقية، منعًا للغبار والأتربة، من أول الطريق العام إلى البلد.

وكان إمام مسجد الأميرة منيرة بالمدينة الشيخ رحمة الله بخاري -رحمه الله- قد ذكر في مقطع فيديو نشر في الشبكة العنكبوتية: بأن أحد أبناء الشيخ عبد الله بن إبراهيم الزاحم -رحمه الله- كان قد استضاف سماحة مفتي الديار السُّعودية في زمانه الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- عند زيارته المدينة المُنَوَّرة عام 1381هـ في مقهى العم أحمد طوال بعروة، وتولى الشيخ رحمة الله بخاري رفع أذان العشاء، وأدى الحضور صلاة العشاء جماعة

ويهتم العم أحمد بتعبئة الشِرَاب الفخارية بالماء النقي مبكرًا، حتى تبرد، لعدم توفر الكهرباء في تلك الأيام، وكانت عملية إنارة المقهى بالأتاريك والفوانيس المزودة بمادة (القاز)، كما كان يقوم بإعداد القهوة والشاي والطبخ بالحطب الجيد، ويشتري أجود أنواع السمن البلدي لعمل المعدوس والأرز العربي، ولا يستخدم أي مكونات صناعية، بل كلها منتجات محلية طازجة وإن غلا ثمنها.

ويرتاد المقهى المسافرون بين المدينة ومكة وجدة وتبوك والمنطقة الشَّماليَّة الغربيَّة الذين يسلكون الطريق ليل نهار، فيقوم المُعَلِّم بتقديم الأطعمة والمشروبات لهم، وإعانة من احتاج للعون منهم، وتجهيز أماكن لنومهم لحين وصول سيارات الأجرة؛ فيستقل كلٌّ منهم سيارة نحو الوجهة التي يريد.

وقد تزوَّج -رحمه الله- بالسيدة مبروكة بنت سليمان الجهني وأنجب منها صالحة، وخديجة ومحمد، ثم تزوَّج بالسيدة حصة بنت سليمان النبهاني وأنجب منها ابنته فاطمة، وتزوَّج بالسيدة رحمة بنت عباس كابلي، ومن السيدة عائشة بنت عبد الله فلاتة وأنجب منها أمينة، وآسيا، وعمر، وحمزة، ومريم، وليلى، ومشاعل، وإبراهيم.

وكان -رحمه الله- يتمتع بأخلاق حسنة، وتربطه بأعيان أهل المدينة وساكنيها صداقات وعلاقات حسنة، وهم يكنون له احترامًا وتقديرًا فائقين، كما كان كريمًا يتكفل بكافة مصاريف من يصلون إلى المقهى ممَّن انقطعت بهم السُبل، وقصرت بهم النفقة، وكان يقوم باستقبال الركب السنوي القادم من مكَّة على ظهور الحمير والبغال والجمال ويقوم بإيوائهم في المقهى.

وقد عُرف بأمانته وثقة الناس به منذ أن كان في قرية ثول، فيقوم بحفظ الرسائل والطرود البريدية المتجهة من جدة إلى المدينة المُنَوَّرة وبالعكس، حيث كانت توجد سيارة للبريد، كان العم أحمد يزودها بالسولار (الديزل) كما وَفر في مقهاه طلمبات الديزل اليدوية، لتزويد سيارة البريد بما تحتاج إليه
من الوقود.

تُوفِّيَ -رحمه الله- بالمدينة المُنَوَّرة فجر يوم الإثنين السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى من عام 1407هـ، عن عمر يناهز الثمانين عامًا، وصُلِّيَ عليه بالمسجد النَّبوي الشَّريف، ودُفن في بقيع الغرقد، نسأل الله أن يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جنَّاته([1]).

 

(1) المصدر: ابنه الأستاذ إبراهيم بن أحمد طوال.