أحمد بن أحمد بن عبد الله مابو فلاتة

1348هـ ـ 1432هـ

 

هو الشيخ أحمد عبد الله محمد قدل داو سيدي إبراهيم مابو فلاتة.

وُلد -رحمه الله- بجُمهوريَّة مالي، قرية (كوكرو) من إقليم جمبلا، ونشأ وتَربَّى بها، وقال الشيخ حسن نوح سيسي ـ وهو من أعزِّ أصدقائه وأكثرهم جلوسًا معه ـ أن الشيخ أحمد ينحدر من قرية أو بلدة كُناري، ومما ذُكر عنه أنه كان موسوعة في معرفته بمنطقة مالي وقُراها المتعددة، وكان يَعرف كثيرًا من الأمراء، وسكان المنطقة الأصليين والنازحين إليها، بل كان مرجعًا في ذلك، حدَّث بذلك الشيخ الناظر عثمان صالح، والشيخ الناظر إبراهيم أحمد سيدي، والشيخ حسن عمر – رحمهم الله – جميعًا، وكذلك الشيخ حسن نوح.

تلقى الشيخ أحمد علَى عادة أهل قريته في سنوات عمره الأولى شيئًا من القرآن الكريم، فحفظ من قصار السور ما يُقرأ به في فريضة الصلاة.

ثم انشغل في شبابه بالرعي والعمل في صناعة النسيج (مابو)، مما أكسبه التنقل بين قرى كثيرة في منطقة مالي، وبالتحديد تلك القرى المتناثرة على شاطئ نهر النيجر فيسيرُ بماشيته في تلك البراري والأودية والهضاب، ومن هنا اكتسب معرفة القبائل التي تقطن تلك المناطق، وقد تعرف على كثير من مشايخها وأمرائها وأُسَرِها ومُواطن سكناها وأصولها وقبائلها، فقد كانوا يسيرون مئات الكيلو مترات بحثًا عن الكلأ والماء، فتارة ينزلون في مُواطن الكلأ والماء أسابيع وأشهرًا، وتارة يسيرون شمالًا باتجاه عاصمة العلم والثقافة (تمبكتو)، وتارة يسيرون جنوبًا باتجاه جني، وتارة يتجهون نحو المدن الكبرى لبيع شيء من المواشي وشراء بعض حاجاتهم وما أوصاهم به أهلوهم، وقد كان الناس في تلك الحقبة الزمنية في تلك البلاد يعيشون عيشة بدائية بسيطة في أكثر أحوالهم، بل إلى عهد ليس ببعيد عنا كانت معيشة الناس غاية في البساطة وبإمكانات محدودة، حتى إن الدكتور محمد ـ ابن المترجم له ـ يقول: (أتذكر عندما كنت في سن السابعة من عمري أن منزلنا الذي نعيش فيه في المدينة المُنَوَّرة ليس فيه كهرباء، وأن والدته – حفظها الله – كانت تقوم بتشريج زجاجات الفوانيس والدوافير وتنظيفها وتعبئتها بالكاز، وكانت كثيرًا من الأزقَّة حول منزلنا في حارة الأغوات قريبًا من المسجد النَّبوي الشَّريف، وفي حي ذروان ليس فيها كهرباء).

وكان -رحمه الله- قد عزم السفر إلى بلاد الحرمين ضمن قوافل يهتدون ويعتمدون ـ بعد الله تعالى ـ على رجال قد سبروا غور الطرقات المؤدية إلى أرض الحرمين مرورًا بعدة دول، حيث كانوا يسلكون أكثرها أمانًا بغية منهم في السلامة من قُطَّاع الطريق والحيوانات المفترسة، والجوع والعطش وأحوال الطقس المختلفة، وغير ذلك، فقاموا بوداع أهليهم وذويهم، وداعًا حارًّا ممزوجًا بمرارة الفراق والشوق إلى بيت الله الحرام ومسجد النبي  ومهاجره، ولسان حال أحدهم يقول: لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا.

فساروا على بركة الله على أقدامهم تارة، وأخرى على بعض الدواب إن تيسر شيء منها، وتارة يقيمون في بعض البلدان والمدن لكي يتزودوا بالمال من خلال العمل في مجال التجارة أو الزراعة ونحوه، وقد يصاب بعضهم بأمراض تعتريهم نتيجة لسوء التغذية، أو عدم نقاء الماء الذي يشربونه، أو الطعام الذي يأكلونه، وغير ذلك من الأمراض والأوبئة الموسمية والطارئة.

ومع أن القافلة عادة ما تبدأ رحلتها بأعداد كبيرة، إلا أنها لا تلبث أن تتلاشى تلك الأعداد شيئًا فشيئًا، فمنهم من تخترمه المنية في الطريق، ومنهم من يتخلف في إحدى الدول لقصر النفقة وعدم قدرته المالية على مواصلة السير لأرض الحرمين، ومنهم من يتخلف بسبب المرض، وقد يلتحق بالقافلة أناس آخرون من المناطق التي يمرون بها، وقد يعترض القافلة في أماكن معينة سباع أو أسود أو قُطَّاع طريق ونحو ذلك، فالرحلة مليئة بالمخاطر المتوقعة وغير المتوقعة، ولكن الله سلَّم، ومَنَّ بكرمه وفضله بوصوله إلى أرض الحرمين سالمًا غانمًا بعد رحلة دامت نحو أربع سنوات، مكث منها في السودان أكثر من سنتين.

وبعد أن وصل إلى مكَّة البلد الحرام، وأدى نُسكه، وقضى تفثه، أقام فيها برهة من الزمن، وعمل فيها بعدة مهن أهمها الخياطة التي أجادها وأتقنها، ثم توجه نحو جدة ليعمل لدى سمو الأميرة جوهرة بنت خالد بن عبد العزيز، ثم عزم إلى الانتقال إلى المدينة المُنَوَّرة والاستقرار بها عام 1378هـ، وفي عام 1384هـ افتتح محلًا بحي باب المجيدي شمال المسجد النَّبوي الشَّريف، قام فيه بممارسة مهنة الخياطة، وكان دكانه مقرًّا لعمله ومهنته ومصدر رزقه، ومجمعًا وملتقى لعدد من أفراد الجماعة، ومجلسًا لمحاوراتهم ونقاشاتهم وأُنسهم ببعض.

ثم تحرك في قلبه حب العلم الشرعي بعد أن وضع عصا التسيار في المدينة المُنَوَّرة، ولم يمنعه كبر سنِّه من الالتحاق بدار الحديث المدنيَّة لعدة سنوات؛ استزاد فيها من حفظ القرآن الكريم، ودرس متن التحفة واللغة العربيَّة وسائر العلوم الشرعية التي تُدَرَّس بدار الحديث، كما كان مواظبًا على دروس وحلقات المسجد النَّبوي، فأخذ عن الشيخ المحدث عمر بن محمد فلاتة، والشيخ حامد بن بكر فلاتة، والشيخ علي بن محمد سنان، والشيخ إبراهيم ألفا تننينقو رحمهم الله، كما درس على الشيخ الدكتور عمر بن حسن فلاتة – حفظه الله – وغيرهم.

رُزق -رحمه الله- بذرية طيبة مباركة من الذكور والإناث وهم: المحبوب (قِداودو)، ومحمد، وعمر، وإبراهيم، وسليمان، ويوسف، وعبد القادر، وخالد، ومن الإناث فاطمة، وعائشة، وأمينة، وخديجة (جُولدي)، ومريم، وإيمان.

ومما اتصف به -رحمه الله- التقوى والورع والشهامة والكرم، على الرغم من ضيق العيش وقلة ذات اليد آنذاك، وكان كثير الصدقة والعطاء وصلة الأرحام والأقارب، وكان يحث أولاده على ذلك. كما كان يتتبع أفراد الجماعة وخاصة الأرامل؛ ليصلهم، وكان يسعى كثيرًا في إصلاح ذات البين، والفصل في الخصومات والمنازعات التي تحدث بين أفراد الجماعة، ويسعى كثيرًا في جبر الخواطر، وكان منزله لا يخلو من الضيوف والأصدقاء في كل حين، وكذلك كان حانوته مجلسًا لكثير من الأصدقاء وأفراد الجماعة، فضلًا عما تميز به من المرح، وكثرة القصص والحكايات والمواقف التي مرت به في حياته.

تُوفِّيَ الشيخ أحمد مابو -رحمه الله- بالمدينة المُنَوَّرة يوم الإثنين 12/3/1432هـ، وصُلِّيَ عليه بالمسجد النَّبوي الشَّريف، ودُفن في بقيع الغرقد، نسأل الله أن يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جنَّاته([1]).

 

 

(1) المصدر: ابنه الدكتور محمد أحمد فلاتة.