أحمد بن بكر برزي فلاتة

1342هـ – 1423هـ

 

هو العم أحمد بن بكر برزي فلاتة -رحمه الله- ويكنى بأبي عبد الرحمن، واشتهر بـ(أحمدوه).

وُلِدَ بالمدينة المُنَوَّرة عام 1342هـ، وعاش فيها يتيمًا قد فقد والديه مبكرًا، ولم يتسنَّ له التَّعليم في صغره حتى في الكتاتيب التي كانت معروفة في زمانه، لكنه تعلم من مدرسة الحياة الكثير. ثم حاول بعد أن تقدمت به السن أن يتعلم القراءة والكتابة، ولكنه لم يستطع.

وعلى الرغم من أُميَّة العم أحمد فإنه كان حريصًا على تعليم أولاده القرآن الكريم وإلحاقهم بالمدارس النظامية، فقد قام بإلحاق بعض أبنائه بحلقات تحفيظ القرآن الكريم بالمسجد النَّبوي الشَّريف، وكان يُجلس أولاده بين يديه ويأمرهم بمذاكرة دروسهم وقد أمسك بيده عصا الخيزران؛ ليصحح لهم القراءة، وكانوا يظنون أنه يحسن القراءة والكتابة، ثم علموا بعد أن كبروا أنه ليس كذلك، ولكنها الفطنة والحرص على تعليمهم، لعلمه أن الصغار لا بد لهم من أسلوب الترغيب والترهيب حتى ينشطوا لدروسهم، ومن عادة أغلب الصغار الميل إلى اللعب أكثر من الدرس، وأعانه على ذلك زوجته ورفيقة دربه – أطال الله في عمرها – على طاعته، وقد أكملت مسيرتها مع أولادها بعد وفاة زوجها الغالي، وقامت على شحذ هممهم على العلم والتعلم والإتقان في العمل، وعملت على لم الشمل، واجتماع الكلمة بين أولادها وأحفادها؛ ليكونوا مُواطنين صالحين لخدمة دينهم ثم مليكهم ووطنهم الغالي، حفظه الله من كل سوء ومكروه.

وقد انخرط -رحمه الله- في الحياة العملية مبكرًا، واختلط بالحُجَّاج والزائرين للمدينة المُنَوَّرة وتعلم أكثر من تسع لغات إفريقية وأتقنها وبرع فيها، وكان من أوائل من امتهن قيادة السَّيَّارات في المدينة المُنَوَّرة عند بداية وصولها للمملكة العربيَّة السُّعودية في عهد المؤسس الملك الراحل عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، طيب الله ثراه.

كما عمل سائقًا بالبريد السُّعودي، وكان من أوائل من امتلك سيارة في زمانه بالمجتمع المدني، وأصبح يُعَلِّم من كان يرغب في تعلُّم قيادة السَّيَّارات ليكون معاونًا له أثناء قيادته وسفره، فهو من محبي السفر والترحال، وكانت الباصات في زمانهم تحتاج في قيادتها إلى قوة وصبر، وغالبًا ما يحتاج السائق إلى معاون يُعينه في القيادة بالتناوب، لا سيما وأن مقود السيارة كبير وثقيل أحيانًا، ولم تكن الطرق مُعَبَّدَة مما يحتاج معه قائد السيارة إلى قوة وجَلَد وعزم وصبر، وقد أحب -رحمه الله- تلك المهنة أيما حب، وأخلص لها كثيرًا وتفانى من أجلها.

وغالب سائقي السَّيَّارات في زمانهم يتعلمون القيادة ومهنة صيانة السيارة في آنٍ واحدٍ، إذ لم تكن وِرش السَّيَّارات متوفرة في زمانهم في كل مكان، وإذا تعطلت السيارة أثناء السفر؛ فإن السائق هو الذي يتولى صيانتها، بل يقوم بتوضيب الماكينة إن لزم الأمر، حتى لو بقي على ذلك عدة أيام؛ ليصلح السيارة ثم يكمل رحلته، فكان المُعَلِّم أحمدوه من أولئك الذي أتقنوا مهارة صيانة السَّيَّارات، ومن المعدودين السُّعوديين القلائل في تلك الصَّنعة التي كانت حديثة على المجتمع السُّعودي بأكمله.

ثم عمل مُوظَّفًا حكوميًّا بالمدرسة الصناعية المهنيَّة بالمدينة على وظيفة (معاون مهندس) إلى أن أُحيل إلى التقاعد النظامي، وكان من أوائل من حصل على رخصة نظامية لقيادة السَّيَّارات في العهد السُّعودي الميمون، وكانت الرخصة عبارة عن دفتر مكون من عدة صفحات له تاريخ بداية وليس له تاريخ انتهاء، جاء ذلك بناء على أمر مباشر من وزير الداخلية السُّعودي في ذلك الوقت صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل -رحمه الله-، حيث وجه بصرف رخص قيادة نظامية لمنسوبي المدرسة الصناعية بمكَّة المُكرَّمة والمدينة المُنَوَّرة.

تزوَّج بالسيدة أمينة بنت عبد الله بن نوح، وأنجب منها أولاده التسعة وهم على التوالي: فاطمة: وهي مُعَلِّمة ومديرة سابقة وأم لأربعة أولاد، ثم عبد الرحمن: وهو من أوائل أبناء المدينة من الكباتن الطيارين، حيث عمل بالخطوط السُّعودية وترقى فيها إلى أن أصبح مدربًا للطيارين إلى أن أُحيل إلى التقاعد النظامي، ورزقه الله من البنات أربع، ثم صفية: وهي مُعَلِّمة للمرحلة الابتدائية سابقًا، ولها من الأولاد أربعة، ثم فايزة: وهي مُعَلِّمة وأول مديرة سعودية لمركز التدريب المهني للبنات، ثم مديرة للمعهد الثانوي المهني للبنات بالمدينة سابقًا، ولها ابن واحد، ثم زينب: تُوفيت ـ رحمها الله ـ في سن مبكرة قبل زواجها، ثم محمد: وهو حافظ لكتاب الله تعالى ومُعَلِّمًا للقرآن الكريم، وإمام وخطيب لأحد أكبر جوامع الهيئة الملكية بينبع الصناعية، وهو الآن طالب بمرحلة الماجستير، ومحاميًا قانونيًّا، ومأذونًا لعقود الأنكحة، ورُزق بستة أولاد، ثم جميل: وهو مُعَلِّم، ثم رائدًا للنشاط المدرسي، ثم مشرفًا تربويًّا بمنطقة المدينة المُنَوَّرة التَّعليمية، ثم مستشارًا بوزارة التربية والتَّعليم بالرياض لمدة عام واحد، ثم مؤسسًا لقسمي المقاصف والصحة المدرسية بإدارة التَّعليم بالمدينة، وله من الأولاد ستة، ثم وفاء: وهي مُعَلِّمة للتربية الأسرية بمدارس المدينة المُنَوَّرة ومن البارزات في مجالها، ولها ابنة واحدة، وطلال: وهو فني ومشرف على صيانة أحد أقسام صيانة السفن الحربية بالقوات البحرية الملكية السُّعودية بجدة، وله من الأولاد أربعة، حفظهم الله جميعًا.

كان العم أحمد برزي فصيح اللسان، سريع البديهة، طلق الوجه والمحيا، وكان الناس يجتمعون حوله لسماع حديثه الشيق ومواقفه الطريفة، وهو محب للجميع، وأحبه الناس لدماثة أخلاقه وحلاوة روحه، كما كان حريصًا على أداء حقوق الناس، وكان دائمًا ما ينهى أولاده عن القروض والديون.

وكان -رحمه الله- محبًا للمحتاجين، معينًا لمن كان يتعامل معهم لقضاء حوائجه كعمال البناء الذين قاموا ببناء بيته، فضلًا عما كان عليه من كرم الضيافة، إذ كان بيته لا يخلو من الضيوف من الحجيج والزائرين طيلة فترة مكوثهم بالمدينة قبل أداء الحج وبعده.

تُوفي -رحمه الله- بالمدينة المُنَوَّرة بتاريخ 28/3/1423هـ، وصُلِّيَ عليه بالمسجد النَّبوي الشَّريف، ودُفن في بقيع الغرقد، نسأل الله أن يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جنَّاته([1]).

 

 

([1]) المصدر: ابنه الأستاذ جميل بن أحمد برزي فلاتة.