أحمد بن عبد الرحمن بن محمد فلاتة

1300هـ – 1391هـ

 

هو الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بقي الخير بن الشيخ إبراهيم المعروف بمُعَلِّم زاكي بن محمد الأول بن إسماعيل ـ وزاكي يعتبر اسم لفخذ العائلة ـ الفُلَّاني أو فلَّاتة كما هو مشهور في الحجاز، على أنها قبيلة يرجع نسبها إلى الصحابي الجليل عقبة بن نافع القرشي t كما ذكر ذلك المؤرخون، الكتاغمي، المالكي مذهبًا.

وُلد -رحمه الله- عام 1300هـ، ونشأ في أسرة علم ودين.

وقد عزم والده الشيخ عبد الرحمن على الهجرة إلى مكَّة للحج والعمرة ومجاورة بيت الله الحرام، فبدأ رحلته الشاقة والتي عادة ما تستغرق سنوات عديدة، مصطحبًا معه أكثر أهل بيته، ومواليه الذين أعتقهم بعد أن وصل إلى مكَّة المُكرَّمة؛ رغبةً في التَّخفف من متاع الدنيا الفانية، وكان ذلك في بداية الفترة التي اجتاح فيها الاستعمار البريطاني منطقة غرب إفريقيا تدريجيًّا عام 1807م.

وبدأ الشيخ أحمد -رحمه الله- مسيرته العلمية بحفظ القرآن الكريم والعلوم الشرعية، ثم رغب في الاستزادة من علوم الشريعة، فرحل إلى السودان، مفارقًا بذلك والده الشيخ عبد الرحمن، والتقى بالشيخ حسين بن محمد فلاتة، ولازمه عدة سنوات، وأخذ العلم الشرعي على يديه، ثم صاهره بزواجه بابنته فاطمة.

ثم توجه إلى مصر، ومنها إلى الأرض المقدسة فلسطين، ثم رحل إلى دمشق الشام، فلزم الجامع الأموي بدمشق، مدة سبع سنوات، وأخذ العلم عن عدد من علماء الشام، ثم اتجه إلى الأردن، وزوده ملك الأردن آنذاك بزاد من التمر والأرز، وفرسين، وراحلتين من الإبل، ثم أكمل مسيرته نحو المدينة المُنَوَّرة.

ولما وصل إلى المدينة بعد رحلته العلمية الحافلة، تاقت نفسه إلى البيت الحرام مهوى الأفئدة، ولا سيما أن والده في مكة، وقد تاقت نفسه لرؤياه بعد غياب دام سنوات عديدة، فما إن وصل إلى مكة، وسأل عن أبيه؛ فأُخبِرَ بأنه قد تُوفي؛ وحزن لذلك حُزنًا شديدًا، ورضي بقضاء الله وقدره، وحمده واسترجع، ثم دعا لأبيه بالرحمة والمغفرة.

وبعد ذلك المصاب الجلل، عاد الشيخ أبو محمد إلى المدينة، إلا أن نفسه ما زالت تواقة إلى الزيادة من العلم والرحلة فيه، فبدا له أن يرحل لطلب العلم، وسافر إلى مصر، حيث الجامع الأزهر، وصحبه في رحلته تلك ابن عمه الشيخ محمد بن محمد بن يونس الفلَّاني الملقب بــ”محمد بَلِى لآ”، وهما يلتقيان في الجد الخامس أو السابع، كما أفاد بذلك الشيخ الوقور أحمد بن محمد يونس -حفظه الله-.

فمكثا في مصر أربع سنوات، ثم رجعا إلى الحجاز لفترة وجيزة، ثم أعادا الكَرَّةَ إلى مصر لأربع سنوات أخرى، حصلا فيها على إجازات علمية من الأزهر، وكانت إدارة جامع الأزهر تصرف مكافأة للطلبة المغتربين، يستعينون بها – بعد الله – على المعيشة، وطلب العلم، كما هو معمول به في جامعاتنا السُّعودية في دولتنا المباركة – أيَّدها الله – التي عمَّ خيرها العالم بأسره.

ومن اللطائف أن الشيخ ألفا هاشم لما وصل إلى مصر نزل في ضيافة الشيخين أحمد عبد الرحمن ومحمد يونس -رحمهم الله تعالى-، وأن الشيخ أحمد تربطه أيضًا بالعلامة ألفا هاشم علاقة طيبة للغاية؛ فأحب أن يزيدها قوة ومتانة؛ فتوجها بزواج ابنه الأستاذ أحمد رفاعي ـ حفظه الله ـ بحفيدة العلامة ألفا هاشم السيدة فاطمة بنت بشير مختار ـ رحمها الله ـ وأنجبت له بنين وبنات.

وقد وافق تأريخ عودة الشيخين من مصر السنة التي تولى فيها الملك عبد العزيز آل سعود – طيَّب الله ثراه – الحجاز، وذلك يوم الخميس 1 جمادى الآخرة من عام 1344هـ الموافق 17 ديسمبر 1925م.

وبعد تلك الرحلة الطويلة الحافلة في طلب العلم، وبعد أن أدى مناسك الحج، اتجه الشيخ إلى المدينة المُنَوَّرة، والتقى ثُلة من العلماء الربانيين، منهم الشيخ العلامة ألفا هاشم الفلَّاني، الذي سبق وأن التقاه في أرض الكنانة، فقرأ عليه وعلى الشيخ خليل بن أحمد الفلَّاتي والشيخ صالح بن عبد الله الزغيبي إمام وخطيب المسجد النَّبوي وغيرهم.

ثم جاءت مرحلة جديدة لزكاة العلم الذي حصَّلَه، وبذله للمستفيدين من الطلبة؛ فاتخذ مجلسًا للتدريس بالمسجد النَّبوي، بالقرب من خوخة أبي بكر الصديق t، وبدأ يعلم ويشرح بعض كتب التفسير، والفقه، والسيرة النَّبوية.

ثم افتتح حلقة علمية ببيته بحوش النورة شمال المسجد النَّبوي، من بعد صلاة الظهر إلى أذان العصر يوميًّا ما عدا يوم الجمعة، وكانت حافلة مكتظة بطلبة العلم من قبائل الفلاتة والهوسة والبُرنو، وغيرهم؛ لإتقانه لتلك اللغات الثلاث، فيبدأ بشرح جُملة من الدرس باللغة العربيَّة، ثم بتلك اللغات الثلاث على التوالي، وهكذا.

فكان يشرح الدرس الواحد بأربع لغات في آن واحد، ولا شك أن هذه مَلَكَة قوية، تُشعر وتُنبئ عن ذكاء صاحبها وفطنته، وقد نفع الله به خلقًا كثيرين، وهي هبة من الكريم الوهاب، وﵡذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِﵠ [الجُمُعَةِ: 4]

وقد تتلمذ على يده جُملة من المشايخ وطلبة العلم، كرفيق دربه الشيخ محمد بن محمد بن يونس فلاتة الذي لازمه طويلًا ورحل معه إلى مصر، والشيخ عمر بن علي الفلاتي، وهو أحد مُعَلِّمي المسجد النَّبوي الشَّريف، والشيخ محمد السنوسي بن عبد الله بن عثمان الفلاتي، والشيخ أبو بكر بن زكريا بن آدم فلاتة زوج ابنته الأستاذة “بتول” الذي كان حافظًا لكتاب الله الكريم، ولا يفتر عن تلاوته ومراجعته في كل أحواله ماشيًا وقاعدًا، آناء الليل وأطراف النهار، وأخذ عن الشيخ أحمد أمهات الكتب الشرعية في مسيرة علمية شارفت على الستين عامًا.

وكذلك تتلمذ على يديه الشيخ محمد بن علي فلاتة الشهير بـ«لادان»، وكان من خاصة طلاب الشيخ، ويسعى كثيرًا في خدمته وكأنه أحد أبنائه -رحمه الله-، والشيخ بكر البرناوي الذي أوصى الشيخ أحمد بأن يتولى غسله بعد موته، وابن أخيه الشيخ أحمد بن محمد عبد الرحمن “تيجاني أزَرِي”، والشيخ أحمد هارون الفلَّاني، والشيخ محمد بِلُّو «والد العم إبراهيم شابورة»، رحمة الله عليهم جميعًا.

 

تزوَّج -رحمه الله- بالسيدة فاطمة ابنة شيخه الشيخ حسين بن محمد فلاتة، وأنجبت له ابنه الأستاذ محمد أحمد الماهر، وهو أحد رُوَّاد التَّعليم بالمدينة المُنَوَّرة، كما تزوَّج بالسيدة أمينة بنت الشَّريف علي، وله منها: محمد حبيب، وأحمد رفاعي، وفاطمة الزهراء المعروفة بالأستاذة «بتول»، وهي من أشهر مُعَلِّمات القرآن الكريم في المدينة المُنَوَّرة في التسعينيات، ووالدتها الشَّريفة أمينة أول من أنشأ مدرسة للبنات بالمدينة، وتولت الأستاذة «بتول» إدارتها بعد وفاة والدتها، ثم انضمت تلك المدرسة إلى مدارس البنات بعد أن افتتحت الحكومة السُّعودية مدارس البنات، وأنشأت لها رئاسة عامة لتعليم البنات، وميمونة الخير أو الخيريَّة «حليمة» زوجة الأستاذ هاشم بن محمد يونس فلاتة -رحمه الله-.

تمتَّع -رحمه الله- بحسن الخلق، ولم يُسمع له يومًا من الدهر خصومة، أو مشاجرة مع أحد من الناس، حتى مَن نَال منه فإنه يقول، إن كنتُ ظلمته فسيحاسبني الله، وإن كان ظلمني فسامحه الله، وكان يعتني بطلابه ويصلهم بوصله وكرمه على ما هو فيه من فقر وقلة ذات اليد، كما كان عفيف اللسان، طيب المعشر، ولم يكن ينادي زوجته السيدة أمينة بنت الشَّريف علي إلا بقوله: يا شريفة، ولم يكن يُناديها باسمها إطلاقًا.

وبعد تلك المسيرة الحافلة في طلب العلم وتعليمه، والترحال من أجل تحصيله من مظانه، فقد حضر أوان الرحيل المحتوم عن هذه الدار الفانية، والانتقال إلى أول منازل الآخرة، فقد جلس الشيخ أحمد كعادته إلى طلابه، وأخبرهم أنه يشعر بتعب وإرهاق، وأنه لا يستطيع أن يعقد لهم درسًا في هذا اليوم، وقال لهم: «لعلِّي لا ألقاكم بعد يومي هذا»، ففطن الطلاب بمراد الشيخ، وأنه يُشعر بدنو أجله، فجعلوا يبكون، ويتألمون، ويُشفقون عليه في مرضه الجديد الذي أصابه؛ فسلموا عليه ودعوا الله له، وانصرفوا قافلين، حاملين معهم كتُبهم وكربَهم، وقد خيَّم الحزن على وجوههم.

واستلقى الشيخ على فراشه، وأمر أهل بيته أن يدعو له الشيخ أحمد بن محمد يونس فلاتة -حفظه الله- وهو ابن صديقه ورفيق دربه إلى مصر، فجاء أبو إلياس الشيخ أحمد يونس، على وجه السرعة، فقال له الشيخ أحمد: إني أشعر بتعب شديد، فاقرأ عليَّ سورة «يس»، فإن حضر الأجل فثمَّ، وإن لم يكن ففي القرآن شفاء للناس، فافتتح أبو إلياس سورة «يس» وخلال قراءته أخطأ في القراءة، فأومأ له الشيخ أحمد برأسه فأعاد القارئ الآية مرة أخرى صحيحة، فما أن انتهى من تلاوة السورة حتى تنبه إلى أن جسد الشيخ ساكن لا يتحرك، فقال: لقد فرغت من القراءة شيخنا الفاضل، فلم يُجبه، فكرر عليه، ولم يجبه، فأدرك أن الروح قد أسلمت إلى بارئها، فأخبر من حوله بذلك، وسرعان ما شاع نبأ وفاته، في المدينة بين طلابه وأهله وجيرانه، فجُهز الشيخ، وصُلِّيَ عليه بالمسجد النَّبوي، ودُفن في بقيع الغرقد عام 1391هـ، نسأل الله أن يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جنَّاته([1]).

 

 

(1) المصدر: ابنه الأستاذ أحمد رفاعي بن أحمد فلاتة، والسيدة رقية بنت عثمان فلاتة، وهي زوجة ابنه الأستاذ محمد أحمد، وحفيده المهندس أمين بن أحمد يونس فلاتة.

– وانظر ترجمته في كتاب الدكتور عمر بن حسن فلاتة وآخرون: معلمو المسجد النبوي الشريف، ص87ـ88.